ابراهيم بن محمد البيهقي

418

المحاسن والمساوئ

واللعب . فشكا ذلك إلى خالصة فأتتني برسالة من أمّ جعفر تعزم عليّ بالكفّ عنه وأن أجعل له وقتا أجمّه فيه لتوديع بدنه . فقلت : الأمير قد عظم قدره وبعد صوته ، وموقعه من أمير المؤمنين ومكانه من ولاية العهد لا يحتملان التقصير ولا يقبل منه الخطل ولا يرضى منه بالزّلل في المنطق والجهل بشرائع الدين والعمى عن الأمور التي فيها قوام السلطان وإحكام السياسة . قالت : صدقت غير أنّها والدة لا تملك نفسها ولا تقدر على كفّ إشفاقها وحذرها ومع حذرها أمر إن شئت حدّثتك به . فقلت : وما ذاك ؟ قالت : حدّثتني السيدة أنّها رأت في الليلة التي حملت فيها به كأن ثلاث نسوة دخلن عليها فقعدت منهنّ ثنتان واحدة عن يمينها وواحدة عن يسارها ، فأمرّت إحدى الثلاث يدها على بطنها ثمّ قالت . ملك ربحل عظيم البذل ثقيل الحمل سريع الأمر . وقالت الثانية : ملك قصير العمر سليم الصدر متهتّك الستر . وقالت الثالثة : ملك قصّاف عظيم الإتلاف يسير الخلاف قليل الإنصاف . فانتبهت وأنا فزعة فلم أحسّ لهنّ أثرا حتى كانت الليلة التي وضعته فيها أتينني في الخلق الذي رأيتهنّ فقعدن عند رأسه واطّلعن جميعا في وجهه ثمّ قالت واحدة منهنّ : شجرة نضرة وريحانة جنيّة وروضة زاهرة وعين غدقة ، قليل لبثها عجل ذهابها . وقالت الثانية : سفيه غارم وطالب للمغارم جسور على المخاصم . وقالت الثالثة : احفروا قبره وشقّوا لحده وقرّبوا أكفانه وأعدّوا جهازه فإنّ موته خير له من حياته . قالت : فبقيت متحيّرة وبعثت إلى المنجّمين والمعبّرين ومن يزجر الطير فكلّ يبشّرني بطول عمره ويعدني بقاءه وسعادته وقلبي يأبى إلّا الحذر عليه والتّهمة لما رأيت في منامي . وبكت خالصة وقالت : يا أحمر وهل يدفع الإشفاق والحذر والاحتراق واقع القدر أو يقدر أحد على أن يدفع عن أحبّائه الأجل ؟ قلت : صدقت إن القضاء لا يدفعه شيء . ثمّ كان من أمره ما كان . ثمّ اتّخذ الرشيد قطربا النحوي على الأمين ، وكان حمّاد عجرد يتعشّق الأمين ويطمع فيه أن يتّخذه عليه مؤدّبا فلم يتهيّأ له ذلك لتهتكه وقبيح ذكره في الناس ، وقد كان رام ذلك فلم يجب إليه ، فلمّا سمع أن قطربا قد استوى أمره وأجيب إلى ذلك لستره وعفافه أخذ حمّادا المقيم والمقعد حسدا على ما ناله قطرب من ذلك وبلغه من المنزلة الرفيعة والدرجة السنيّة ، فأخذ رقعة وكتب فيها أبياتا ودفعها إلى بعض الخدم الذين يقومون على رأس الرشيد وجعله على ذلك جعلا وسأله أن يودع الرّقعة دواة أمير المؤمنين . ففعل فما كان بأسرع من أن دعا الرشيد بالدواة فإذا رقعة فيها هذه الأبيات : قل للإمام جزاك اللّه مغفرة * لا يجمع الدّهر بين السّخل والذيب